بن عيسى باطاهر
198
المقابلة في القرآن الكريم
يظهر أن هذه الآية إنما جاءت للحض على طلب العلم والتّفقّه في دين اللّه ، وأنّه لا يمكن أن يرحل المؤمنون كلّهم في ذلك ، فتعرى بلادهم منهم ، ويستولي عليها وعلى ذراريهم أعداؤهم ، فهلّا رحل طائفة منهم للتفقه في الدين ، ولإنذار قومهم » « 1 » . وتفيد الآية أيضا قيمة دينية وهي « وجوب تعميم العلم والتفقه في الدين والاستعداد لتعليمه في مواطن الإقامة ، وتفقيه النّاس فيه على الوجه الذي يصلح به حالهم ، ويكونون به هداة لغيرهم ، وإنّ المتخصصين لهذا التفقه بهذه النيّة لا يقلّون في الدرجة عند اللّه عن المجاهدين بالمال والنفس لإعلاء كلمة اللّه والدفاع عن الملة والأمة ، بل هم أفضل منهم في غير الحال التي يكون فيها الدفاع فرضا عينيا » « 2 » . ومما يستفاد من قيم فكرية في هذه الآية أن العلم مقصد من مقاصد الإسلام الكبيرة ، وهو من أنواع الجهاد الهامة لتماسك الأمة ووحدتها الفكرية ، « فإذا كان من مقاصد الإسلام بثّ علومه وآدابه بين الأمة ، وتكوين جماعات قائمة بعلم الدين وتثقيف أذهان المسلمين كي تصلح سياسة الأمة على ما قصده الدين منها ، من أجل ذلك عقب التحريض على الجهاد بما يبيّن أنه ليس من المصلحة تمخض المسلمين كلهم لأن يكونوا غزاة أو جندا ، وأن ليس حظ القائم بواجب التعليم دون حظ الغازي في سبيل اللّه من حيث إنّ كليهما يقوم بعمل لتأييد الدين ، فهذا يؤيده بتوسيع سلطانه وتكثير أتباعه ، والآخر يؤيده بتثبيت ذلك السلطان وإعداده لأن يصدر عنه ما يضمن انتظام أمره وطول دوامه ، فإن اتساع الفتوح وبسالة الأمة لا يكفيان لاستبقاء سلطانها إذا هي خلت من جماعة صالحة من العلماء والساسة وأولي الرأي المهتمين بتدبير ذلك السلطان » « 3 » .
--> ( 1 ) البحر المحيط - ج 5 - ص 526 . ( 2 ) محمد رشيد رضا - تفسير المنار - ج 11 - ص 78 . ( 3 ) محمد الطاهر بن عاشور - تفسير التحرير والتنوير - ج 11 - ص 59 .